في ذكرَى وفاةِ الحسين بن يحيى

في ذكرَى وفاةِ الحسين بن يحيى 

في ذكرَى وفاةِ الحسين بن يحيى العلامّة المَولى حَليفُ العِلم والاستقامَة والزّهد والورَع والتّقوى ، الباذلُ نفسَه ونفيسَه في سبيل تشييد بُنيان العِلْم ، نرفع الأكفّ بالدّعاء ، نتضرّع إلى الله تعالى بأن يجعَل نُزُلَه نُزل آبائِه الكِرام ، مع النّبي والوصيّ والزّهراء والحسَنين وآلهم الأطهَار ، يُعلّمنا غيابُ أهل الفضل ما مَعنى الفَضل ، ويُعَلّمنا غياب أربَاب الهمّة والتّشمير في نشر العُلوم المحمديّة مَا معنى وأهميّة تلك العُلوم الشرعيّة ، عُلوم آل محمّد طريقَة ومَنهَج به تَسمو النّفوس ، وبه تتكامَل حياة الفَرد والمُجتمَع ، ومَعه تكون العدَالة الإلهيّة في الأرض ، منهجٌ مُتكاملٌ أصلُه الكِتاب والسنّة ، رسالَة الأنبياء والأوصيَاء والعُلماء في الأرض كابراً بعد كابرْ ، فصلواتُ الله على روحٍ اختارَها الله في مثل هذه اللّيالي المُباركَة لتلحَق بسلفهَا صالحةً مُباركَة ، رائدةً في الخَير والإرشَاد والتّعليم والتّبيين والتّفهيم ما تكلّ ولا تملّ عن ذلك في شبابِها وكُهولَتها ، هكذَا فليكُن كلّ طَالب علْم يتأسّى بالأفاضل لينَال الفَضل .

*لقد علّمني الحُسين دُروساً في حياتِه وبعد ممَاتِه ، تعلّمتُ أهميّة العِلم ، وأهميّة واجب نشر العِلْم والإرشَاد ، والصّبر على وُعورَة طريق العلْم .

*لقد علّمني الحُسين أنّ الفَضل يكونُ بالعمَل ، لا أنّه يكونُ بالتأمّل والتمنّي معَ الكسَل والخُمول ، عمَل نشر العِلْم ، والسّهر على تَحقيق العُلوم .

*لقَد علّمني الحُسين ما معنى المحبّة الحقيقيّة والتشيّع الصّادق ، من تلكَ العِبارات الزّائفَة البرّاقة ، ومَا هُو الذّكر الحسَن الجَميل من ذلك الغُلوّ الغير لائق ، علّمني كيفَ أعكس صورَته الحسنَة المُشرقَة أمامَ طلبَة عِلم لم يَروه ولَم يسمَعوه .

*لقدّ علّمني الحُسين كيَف أكونُ جامعاً لا مُفرّقاً ، لأنّ بالاجتمَاع تتحقّ مقاصدُ كثيرَة من رُوح العِلم الشّرعي في هذه الأمّة المَرحومَة بنبيّها وأهل بيت نبيّها صلوات الله عليهِم .

*لقَد علّمني الحُسين كيفَ تكون المحبّة ، ذلكَ في عينيَه لمَن تأمّل وتدبّر ، وفي سيرتِه لمَن تتبّع وتحقّق.

*مَا حييتَ يا طَالب العِلْم ، كُن زَيْناً للحُسين بعدَ وفاتِه ، وإيّاكَ أن تكونَ حجرَ عثرَة في طريقِ كلّ ما شأنِه رِفعَة هذه الأمّة في ميادين عِلمهَا وعملِها ومظلوميّتها ، وإيّاكَ أن تكونَ عكسَ ذلك ، فإنّما النّاس ما بينَ بانٍ وَهاِدمْ ونَائم ، فكُن الأوّل وإلاّ فالأخير! وإيّاك والثّاني ، ما حَييتَ لا تُفرّق بين عُلماء آل الرّسول وهُم على منهَج وشرعة واحدَة فإنّ تلكَ مطيّة مَنْ لا دِرايَة ولا عِلم ولا حِكمَة لَه ، واذكُر فضلَ أهل الفَضل فإنّ أهل الفضل يتفاضَلون ولا يُنقّص أحدهُم الآخَر ، هكذا كُن زيناً للحُسين في ذكرَاه ، ولن تكونَ زَيناً للحُسين إلاّ وأنْتَ مع ما سَبق تشقّ طريقَ العِلْم سهلاً وجبلاً تبتغي إيصَاله لطَالبيه ، مُحمّلاً بهمّ أمّتك ومظلوميّتها ، فأمّا طالبُ عِلْم كَسول لا هَدف له فأنّى يكونُ الحُسين أسوَته !.فالله … الله ، ثمّ يا الله … يا الله أن ترحَم مولانَا الحُسين بن يحيى وأن تُلحقَنا به صالحِين مع النّبي والوصيّ والزّهراء والحسَنين ، فقد ندرَ الزّمان أن يجودَ بمثلِ همّته .

~ الكَاظم الزّيدي ~

Advertisements

أليس الأولى أن يبلغ الرّسول صلوات الله عليه وعلى آله إمامَة أمير المُؤمنين (ع) يوم عرفَة ، وإنّما بلّغها في الجُحفَة غَدير خمّ ؟!

* أثاب الله من شاركها في الخير.

* كانَ السّؤال :

أليسَ الأولَى أن يُبلّغ الرّسُول صَلوات الله عَليه وعَلى آله إمَامَة عَلي بن أبي طَالب عَليه السّلام يَوم عَرَفة ، خُصوصاً وأنّ ذَلك المَحفَل والمَكَان ، يَجمع جميع مَنْ حَجّ حَجّة الوَدَاع بخلاف مَا كَان فِي الجُحفَة ، فإنّ عَدد المُسلمين أقلّ ، وأيَضاً سَيكون ذلك التّبليغ بعرفَة أكثَر حُجيّة عَلى أهل اليمَن نَتيجة ذلك الخلاف الذي حصَل مِن بُريدَة وخَالد بن الوليد مَع عَلي بن أبي طالب عَلى الأموال في اليَمَن .

*والجَواب :

بأنّ السّؤال انقسَم إلى قِسمَين رئَيسيَن ، القِسمُ الأوّل : فيمَا يَخصّ تَبليغ الرّسول صَلوات الله عَليه وعَلى آله لإمَامة أمير المُؤمنين عَليه السّلام في الجُحفَة فِي غَدير خُمّ ، ولمَاذا لَم يَكُن ذَلك التّبليغ في عَرفَة وجَمْعُ المُسلمين أكثَر . والقِسم الثّاني : رَبْط السّائل بَين مَا حَدثَ معَ بُريدة ، وخَالد بن الوليد، وأمير المُؤمنين في اليَمن بحَديث الغَدير ، ونُجيب عَلى القِسمين بإذن الله تعالى ، فَنقول:

أوّلا : مَا يَخصّ القِسم الأوّل ، فإنّ الأصل مِن البلاغ المحمّدي لإمَامة أمير المُؤمنين قَائمُ الحُجّة ، فِبَأي وَجهٍ وَطريقٍ شَاء الله ورسوله أن يَكون ذلك البلاغ وَتلك الإقامَة للحُجّة فإننا نَقول : أنّ الله ورَسُولَه أعلَمُ وأحكمَ ، خُصوصا وأنّ شَرط إقامَة الحُجّة قَائم سَواءً كَان ذَلك البلاغ في عرَفَة ، أو فِي غَدير خُمّ ، أو قبلَها ، أو بَعدهَا ، فإنّه وإن كَان التفكُّر يَقضي بأنّ البَلاغ سيكون أكثرَ انتشاراً (ولا نَقول أكثرَ حُجيّة) إذَا كان فِي عَرفة إلاّ أنّ الأمر والوَحي الإلهي والفِعل المحمّدي بإقامَة الحُجّة والإبلاغ والإعلان لإمَامة أمير المؤمنين فِي حُضور آلاف مُؤلّفة مِنَ الصّحَابة في غَدير خُمّ يَقتضي مِنّا التّسليم ، ولا يُمتنَعُ مَعه إقامَة الحُجّة ، وحالُ المُعترض ، كمَن يقُول : أليس الأولى أن يَكون النّبيصَلوات الله عَليه وعَلى آله مِن ذريّة يَعقوب بن إسحاق فإن ذلك سَيكون أكثر تأثيراً فِي اليَهود والنّصَارَى ، وَكمَن يَقول : أليس الأولى أن يَكون بدايَة مَبعث النّبي صَلوات الله عَليه وعَلى آله مِن أرض الأنبيَاء أورشَليم والنّاصرة ، فِلسطين والشّام عُموماً ، فإنّ ثَقل الدّين وتنوّع الحَضَارات مِن تِلك الأرَاضِي ، ولهَا تأثير في العَالَمَيْن الغَربي والشرقي ، وكمَن يَقول: أليس الاولى أن يَكون القُرآن الكَريم قَد نزل بِلُغةٍ أعجميّة ، فَالعَجَم كَثرة مُقابل العَرب ، نعم! كُلّ هَذه الخَواطِر الفكريّة لا تتعارَض مَع الأصول الواقعيّة مِن كَون مُحمّد صَلوات الله عَليه وعَلى آله مِن ذريّة إسمَاعيل بن إبرَاهيم ، ومِن مَبعثه مِن مَكّة ، ومِن لُغَة القُرآن العَربيّة ، فإنّه وإن لَم يَكن مَا جَال فِي الخَاطِر الفِكريّ فَإنّ الحُجَج تَقوم بتلك الإرادَة والهَيئة والطّريقة التي أرادَهَا الله سُبحَانَه ، ولا يَستطيع مُكلّف أن يَعترض في عَدم قِيام الحُجّة لأجلِ أنّ النّبي لَم يَكُن مِن ذريّة يَعقوب بن إسحَاق ، أو أنّه لَم يَكن مَبعثُه مِن أرض الأنبياء ، أو أنّ القُرآن لَم يَكُن أعجميّا ، بل الحُجّة قَائمة عَليه صَادِحَةٌ صادعَةٌ ، وذلك لا يُخالف عَليه مُسلمٌ بل عاقِلْ ، نعَم! وَكَذلك خَبر الولاية لأمير المُؤمنين وإعلان إمَامته فَإنّه وإن جَال فِي الخاطر الفكريّ بأنّ التّبليغ سَيكون أكثر انتشاراً لَو كَان يَوم عَرَفة فَإنّ الحُجّة لا زَالت قَائمَة عَلى المُسلمين جَميعاً بذلك البَلاغ فِي غَدير خُمّ ، خُصوصاً وأنّه لا يَزال جمعٌ كَبير مِن الصّحَابَة مِن غير أهل المَدينَة بل مِن مُختلف الأمصَار حَاضرٌ ذلك المَكان ، لأنّ الجُحفَة مَكان اجتمَاع وافتراق الحُجّاج ، فَكان البلاغ في محضر الحُجّاج قَبل تَفرّقهم ، وبه يقُوم نَشر ذَلك الخبَر لأهميّته لمَن لَم يَحضُر ذَلك المقَام ، وقَد قَدّمنَا بأنّ هَذا تَقوم به الحُجّة وَمَتى قامَت الحُجّة فكَفَى ، وَهِي تَمنع ذَلك الخَاطر الفكريّ مِن أن يُمتنَع أو يُعترض عَلى تلك الإرادَة الإلهيّة وذلك الفِعل المُحمّدي يَوم الغدير ، وفِعلاً قَد انتشرَ هَذا الخَبر فِي الأمصَار ، وبَين المُحدّثين والرّواة ، حتّى أصبح نصّاً مَعلوماً مُتواتراً لا يُمكن إنكَاره ، وبذلك تقوم الحُجَج القطعيّة فِي الثّبوت ، عَليه فلا يصح الاعترَاض عَلى إبلاغ الرّسُول صَلوات الله عَليه وعَلى آله بإمامَة أمير المؤمنين عليه السّلام لأنّ الحُجّة قَد قَامَت ، والحُجّة مَتى قامَت فَقد وَجب الاستسلام لله ولِرَسُوله صصَلوات الله عَليه وعَلى آله ، نعم! وَبه تمَ الجَواب عَلى القِسم الأوّل .

ثانياً : فيمَا يخصّ القِسم الثّاني ، فإنّ السّائل قد تَوهّمَ أنّ الرّسُول صَلوات الله عَليه وعَلى آله إنّمَا قَام يَوم الغَدير ليردّ ويُبيّنَ القَدْر الذي يخصّ مَا حَصَل فِي اليَمن وهذا لا دَليل عَليه إلاّ الظن والاستنبَاط بل إنّ السّائل قد بين الرّد على هذا السّبب من ذلكَ التّبليغ عندمَا اعترضَ لماذا لم يُخبر النّبي صلوات الله عَليه وعلى آله بذلك الخبَر وأهل اليمَن حاضِرون ، فلو كانَ سبب ذلك البَلاغ المحمّدي هُو ما حصلَ في اليَمن لكان ذلك التّبيين وأهل يالَمن حَاضرون ، فأمّا والتّبليغ باتّفاق المُسلمين كانَ في غير خُمّ فإنّ ذلك بلاغٌ ليسَ لتبيينِ قدْرٍ يخصّ أهل اليمَن فقَط ، بل هُو معنى دلّ عَليه النّص والخَبر من إمامَة أمير المُؤمنين عليه السّلام ، بل إنّ ذلكَ البلاغ كانِ عدل الرّسالة المحمديّة كمَا في آيَة التّبليغ قولُ الله تعالى : ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)) ، نعم! فلا دَليل على أنّ سبب ذلك البَلاغ ابتداءً هُو ما حصَل في اليَمن إلاّ الظنّ أو الاستنبَاط ، ثمّ لو كانَ ذلكَ كذلك فإنّ مَدلول حادثَة اليَمن هُو مَدلول نصّ الغَدير ، فإنّه ليسَ لك يا بُريدَة أو غيرُك بأن يعترضَ على حُكم وفعل وطاعَة عليّ بن أبي طَالب كمَا أنّه لا حُكمَ لكُم أو اعتراضٌ على فِعلي لو كُنتُ معَكم ، فأنا مولاكُم الأولَى بالتصرّف في الأمر لا أمرَ ولا نهيَ لكُم مَعي ، وكذلكَ مَنْ كُنت مولاه فعليّ مَولاه ، لا أمرَ لكُم ولا نهي مَعه ، وهذا بيّنٌ إن شَاء الله ، نعم! ثمّ لنَا أنّ خبرَ إمامَة أمير المُؤمنين عليه السّلام ثابتٌ قولَ يوم الغَدير بآيَة الولايَة ، وحديث المنزلَة ويغرَها من الأخبَار ، وإنّما ذلكَ يومَ الغدير أذانٌ أكبَر في النّاس ليكون تأكيداً وأكثَر انتشاراً في الأمّة ، وبه تقومُ الحجّة القطعيّة ، كما قدّمنا في القسم الأوّل .

وفّقكم الله .

#الكاظم_الزيدي

اللهمّ صلّ وسلّم على محمّد وعلى آل محمّد …

حديث الغدير ومدلوله

* لنَعِشْ جميعاً معَ رسول الله صلواتُ الله عَليه وعلى آله يومَ الغَدير !.

* أثاب الله من شاركها في الخير .

* مَدلولات المواقف الفِعليّة ، والألفَاظ القوليّة على الولايَة العلويّة !.

حَديث الغَدير ، مَدلولات مَكانيّة ونصيّة ، مخطّط ذِهني يُساهم في إرشَاد الباحث للوقوف على أطرَاف مهمّة في وصيّة (الغدَير) ، الله أسأل أن يثيب مَنْ ساهَم في نشرَه ووصولِه لطالبي الفائدَة والبَاحثين المُنصفين :
لرؤيَة الصّورة بشكل واضح :

https://www.gulf-up.com/b/1504886521541.png

لرؤيَة الصّورة ميديا فاير :

http://www.mediafire.com/view/myfiles/#22378ymhn1hydbq

لتحميل الصّورة ميديا فاير :

http://www.mediafire.com/download/22378ymhn1hydbq/DER.PNG

#الكاظم_الزيدي
اللهمّ صلّ وسلّم على محمّد وعلى آل محمّد .

 

مواضيع جامعة حول الغدير

12088294_10205024529161136_5410283492153762019_n

الموضوع الأوّل [صُورة] : تبيين مدلولات حَديث الغَدير .

* لنَعِشْ جميعاً معَ رسول الله صلواتُ الله عَليه وعلى آيه يومَ الغَدير !.

* مَدلولات المواقف الفِعليّة ، والألفَاظ القوليّة على الولايَة العلويّة !.

حَديث الغَدير ، مَدلولات مَكانيّة ونصيّة ، مخطّط ذِهني يُساهم في إرشَاد الباحث للوقوف على أطرَاف مهمّة في وصيّة (الغدَير) ، الله أسأل أن يثيب مَنْ ساهَم في نشرَه ووصولِه لطالبي الفائدَة والبَاحثين المُنصفين :
لرؤيَة الصّورة بشكل واضح :

http://www5.0zz0.com/2015/10/06/20/186969454.png

لرؤيَة الصّورة ميديا فاير :

http://www.mediafire.com/view/myfiles/#22378ymhn1hydbq

لتحميل الصّورة ميديا فاير :

http://www.mediafire.com/download/22378ymhn1hydbq/DER.PNG

اللهمّ صلّ وسلّم على محمّد وعلى آل محمّد …

______________________________

الموضوع الثّاني : [مادّة صوتيّة] : آيَة التّبليغ وإمامة أمير المُؤمنين (ع) ، ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)) .

http://www.4shared.com/mp3/1HhWXaeace/_________.html

_____________________________

الموضوع الثّالث : [مادّة مكتوبَة] : هل النصّ على إمامَة أمير المُؤمنين (ع) خَفيّ أمْ جَليّ ؟!.

كانَ السّؤال :

أريد قولكم الجلي في الرد على شبهة القول بضعف ولاية الإمام علي بسبب اعتماد المذهب بالقول بالنص الخفي؟

والجَواب :

أنّ تَحقيق مسألَة النّص الجليّ والخَفي من إطلاقَات الأئمّة مسألةٌ قد خفيَ وجههُا وأصلُها على كثيرٍ من البَاحثين ، والمسألَة ليسَ يرتّب عليهَا ذلك الخَطر ، لأننّي قد قرأتُ لبعض الإماميّة أنّ الزيديّة لجَأت للقَول بالنّص الجَليّ لإيجَاد العُذر لأبي بَكر وعُمر ، وما درَت الزّيديّة بذلك أنّها قد نسبَت التّقصير بإبلاغ أمرٍ خافٍ وجه دلالته على الأمّة في مثل هذا الأصل العَظيم الإمَامة ، فيترتّب عَليه أنّ رسول الله صَلوات الله عليه وعلى آله مات غير متمّ للتّبليغ ، هذا مُنتهَى فهم مَن قرأتُ لهُ ، وهُو خاطئٌ جدّا وفيه تهويلٌ وتضخيمٌ للمسألَة ، ونبيّن ذلكَ من عدّة وجوه يترتّب بعضها على بعض من اعتقَاد أئمّة العترة سَادات بني الحسَن والحُسين :

الوَجه الأوّل : أنّ أصل الزيديّة أنّ رسول الله صَلوات الله عَليه وعلى آله قد مات مُتمّاً للَبلاغ الرّسالي في أصول الدّين وفروعِه ، وإمامة أمير المُؤمنين قد نزلَت فيها آياتٌ خاصّة فيقول الله تعالى : ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)) ، فوقَف رسول الله صَلوات الله عليه ليُبلّغ المُسلمين يوم الغَدير الثّامن عشر من شهر ذي الحجّة السّنة العاشرَة للهجرَة ولايَة أمير المُؤمنين ، بَشكل قطعيّ جليّ مِن مقصدِ رسول الله صَلوات الله عليه وعلى آله ، بأنّ عليّ بن أبي طَالب هُو الإمَام بَعدي بقولِه صَلوات الله عليه وعلى آله : ((مَنْ كُنتُ مولاه فهذا عليٌّ مَولاه)) بتمَام الخَبر ((ألستُ أولى بكُم من أنفُسِكم)) ، فتلكَ الولايَة خرجَت من مقصَد رسول الله صَلوات الله عليه وعلى آله واصحةً جليّةً في توليَة أمير المؤمنين وإمامته وقد فهمهَما كثيرٌ من عُلماء وأهل الحلّ والعقد من الصّحابَة كسلَمان الفارسيّ والبَراء بن عازب وأبي ذرّ الغفاريّ والمقداد بن الأسوَد وأيضاً العبّاس بن عبدالمطلّب وابنه عبدالله وجميعُ بني هاشم وأيضاً الزّبير بن العوّام وطلحة بن عُبيدالله وغيرهِم فكانوا مع أمير المُؤمنين لم يُصالحُوا أبا بَكر إلاّ بعد أن صالحَه أمير المُؤمنين بعد ستّة أشهر من بيعَة النّاس لأبي بَكر ، فهؤلاء من عُلماء وجلّة الصّحابة قد فهموا من مقصدِ رسول الله التّولية والإمامة لأمير المُؤمنين (ع) ، فلذلك قُلنا أنّ النّص من مقصدِ رسول الله صَلوات الله عليه وعلى آله جلّ واضحٌ قطعيّ على إمامة أمير المُؤمنين ، ولن يترتّب على آيَة البَلاغ السّابقَة التي حثّت على تبليغ أمرٍ بدونِه فكأنّ رسالات رسول الله صَلوات الله عليه وعلى آله لم تُبلَّغ لن يترتّب على هذا الحثّ إلاّ تبليغٌ قطعيّ (أمرٌ قطعيّ) ، وهُو إمامة أمير المُؤمنين عَليه السّلام ، وذلكَ هُو إجماع العترَة المرضيّة من الجَلاء في التّبليغ ، بل إنّه بعضهم من المتقدّمين قد عبّر عنه بالفريضَة ، قالَ الإمَام الحسن بن يحيى بن الحُسين بن زيد بن عَلي (ت247هـ) : ((الإمام المفترض الطاعة بعد رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم عَلي بن أبي طالب-صلى الله عليه)) [جامع علوم آل محمّد] ، وقالَ (ع) في موضعٍ آخَر : ((إن الله سُبحَانه أكمَل لنبيّه صلّى الله عليه وآله وسلم الدّين الذي افترَضَه على عباده وبيّنه له، وافترَض عَليه إبلاغه، فكانَ مِمّا افترَض الله على عباده طَاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وطَاعة ولي الأمر الذي يَستحق مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإبلاغ عَنه)) [جامع عُلوم آل محمّد] .

الوجه الثّاني : فإن قيلَ : ولِم أُثر عن بعض أئمّة العترَة القول بأنّ النّص في أمير المُؤمنين كانَ خفيّاً ، وأنتُم تقولون أنّه جَليّ ، وهَل في هذا تناقُض ؟!. قُلنا : ليسَ في هذا تناقُض فمقصدُ من عبّر أنّ النّص خفيّ كان باستحضَار اختلافِ المُختلفين فيه من المُتأخّرين بالاستدلال على وجه الولايَة من نصّ يوم الغَدير ، عندما اختلفوا في مَعنى الوليّ في اللّغَة وهل تعني المحبّة والنّصرة أو أو الإماَمة والنّصرَة كلّ ذلك من معنى الوليّ في اللّغة فكّل قام يستدلّ على إمامَة أمير المؤمنين نفياً وإثباتاً ، فعندمَا حَصَل الخلاف في الاستدلال قال البعضُ أنّ النّص خَفيّ لكونِ أنّه أصبح يُطلبُ الاستدلال منه لمعرفَة إمامة أمير المُؤمنين وخرجَ بهذا عن الأمر الضّروري البدهيّ ، ومعرفَة الله تعالة عندَ أهل الأصول استدلاليّة نستدلّ عَليه جلّ شأنهُ بمخلوقَاته وبمقدّمات النّظر الصّحيح ، ولا يُخرج ذلك المَطلبُ (الاستدلال) الحقيقَة عن أصلَها وهي أنّ الله موجودٌ وواحدٌ وليسَ كمثلِه شَيء ، وكذلكَ كان كلّ من قَال أنّ النصّ خفيّ فإنّهم بإطلاقِهم ذلك القَول باستحضار اختلاف المُختلفين في الاستدلال عَلى إمامة أمير المُؤمنين من نصّ رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله ، فإنّهم يقولون أنّ النّص في أمير المُؤمنين صلوات الله عليه وعلى آله نصّ جليّ تامّ من مقصدِ وبلاغِ رسول الله صَلوات الله عليه وعلى آله وقد وقفَ عليه عُلماء الصّحابَة وعرفُوا المقصودَ منه فكانوا مَع أمير المُؤمنين ، وكون أنّ النّص باختلاف المُختلفين أصبحَ استدلالياً لمجرّد الاختلاف فإنّ هذا لا يُلغي الحقيقَة الظّاهرَة الجليّة وهي إمامة أمير المُُؤمنين (ع) ، فالاستدلال لا يحتاج مع الإنصاف والإخلاص والتخلّص من البُغض والتّقصير إلى جُهد كَبير للوقوف على ذلك المقصد المحمّدي والإمامَة العلويّة ، وأؤكّدَ لكَ أخي البَاحث أنّه ليسَ غير هذا من مقصدِهم ، فيقولُ الإمام المنصور بالله عَبدالله بن حمزَة ، وأنّه كانَ يعتقدُ أن النّص من مقصد وبلاغ رسول الله صَلوات الله عليه وعلى آله كانَ جليّاً قطعيّا في الإثبات ، بقولِه (ع) في رسالَته (زُبد الأدلّة) قال : ((فَإن قيل: لِمَ قلتَ: إنَّ الإمامَ بعدَ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عليُّ بنُ أبي طالبٍ ـ عليه السلام ـ؟ قُلتُ: لقَول النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ: (مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ)، وهو لا يُريد بذلك إلاَّ إثبَات الإمَامةِ له ـ عليه السلام ـ، فَثبت بذلك كونه ـ عليه السلام ـ إماماً)) [زُبدة الأدلّة] ، وأيضاً ما هُو أصرَح من ذلكَ فإنّ قالَ (ع) في أرجوزَته النّاصحَة بجَلاء النّص يقصدُ به من مقصَد رسول الله صَلوات الله عليه وعلى آله :

ثُمَّ الإمامُ مُذْ مضى النبيُّ …. صلَّى عَليِهِ الواحدُ العليُّ

بغيرِ فَصلٍ فَاعْلَمَنْ عليُّ …. والنَّصُ فِيهِ ظاهِرٌ جَلِيُّ

يومَ الغَدِيرِ ساعةَ الإحْفَالِ

[شرح الرّسالة النّاصحة] ، وهُو ممّن نسبَ إليه بعض من سمعنَا أنّه كان يقولُ بالنّص الخفيّ ، (وذلكَ بحاجَة إلى تحقيقٍ في ذلك عنه (ع) ومع ذلكَ فقد وقفتَ على قولِه ، فالخلافٌ لفظيّ لا يمسّ أصل الاعتقاد من سادات العترَة بتمام البلاغ والرّسالة ، فالنّص في أمير المُؤمنين جليّ من مقصد رسول الله صَلوات الله عليه ، وقد فهمَه عُلماء الصّحابة وأهل النّظر على ذلك المَقصد ، ووجه الخَفاء في كونِه نصّ استدلاليّ يحتاج للنّظر القَليل للوصول إلى ذلك المَطلوب ، فالخلاف لفظيّ .

وفّقكم الله تعالى .

اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد …

____________________

المَوضوع الرّابع : [مادّة مكتوبَة] : أليس الأولى أن يبلغ الرّسول صلوات الله عليه وعلى آله إمامَة أمير المُؤمنين (ع) يوم عرفَة ، وإنّما بلّغها في الجُحفَة غَدير خمّ ؟!.

كانَ السّؤال :

أليسَ الأولَى أن يُبلّغ الرّسُول صَلوات الله عَليه وعَلى آله إمَامَة عَلي بن أبي طَالب عَليه السّلام يَوم عَرَفة ، خُصوصاً وأنّ ذَلك المَحفَل والمَكَان ، يَجمع جميع مَنْ حَجّ حَجّة الوَدَاع بخلاف مَا كَان فِي الجُحفَة ، فإنّ عَدد المُسلمين أقلّ ، وأيَضاً سَيكون ذلك التّبليغ بعرفَة أكثَر حُجيّة عَلى أهل اليمَن نَتيجة ذلك الخلاف الذي حصَل مِن بُريدَة وخَالد بن الوليد مَع عَلي بن أبي طالب عَلى الأموال في اليَمَن .

والجَواب :

بأنّ السّؤال انقسَم إلى قِسمَين رئَيسيَن ، القِسمُ الأوّل : فيمَا يَخصّ تَبليغ الرّسول صَلوات الله عَليه وعَلى آله لإمَامة أمير المُؤمنين عَليه السّلام في الجُحفَة فِي غَدير خُمّ ، ولمَاذا لَم يَكُن ذَلك التّبليغ في عَرفَة وجَمْعُ المُسلمين أكثَر . والقِسم الثّاني : رَبْط السّائل بَين مَا حَدثَ معَ بُريدة ، وخَالد بن الوليد، وأمير المُؤمنين في اليَمن بحَديث الغَدير ، ونُجيب عَلى القِسمين بإذن الله تعالى ، فَنقول:

أوّلا : مَا يَخصّ القِسم الأوّل ، فإنّ الأصل مِن البلاغ المحمّدي لإمَامة أمير المُؤمنين قَائمُ الحُجّة ، فِبَأي وَجهٍ وَطريقٍ شَاء الله ورسوله أن يَكون ذلك البلاغ وَتلك الإقامَة للحُجّة فإننا نَقول : أنّ الله ورَسُولَه أعلَمُ وأحكمَ ، خُصوصا وأنّ شَرط إقامَة الحُجّة قَائم سَواءً كَان ذَلك البلاغ في عرَفَة ، أو فِي غَدير خُمّ ، أو قبلَها ، أو بَعدهَا ، فإنّه وإن كَان التفكُّر يَقضي بأنّ البَلاغ سيكون أكثرَ انتشاراً (ولا نَقول أكثرَ حُجيّة) إذَا كان فِي عَرفة إلاّ أنّ الأمر والوَحي الإلهي والفِعل المحمّدي بإقامَة الحُجّة والإبلاغ والإعلان لإمَامة أمير المؤمنين فِي حُضور آلاف مُؤلّفة مِنَ الصّحَابة في غَدير خُمّ يَقتضي مِنّا التّسليم ، ولا يُمتنَعُ مَعه إقامَة الحُجّة ، وحالُ المُعترض ، كمَن يقُول : أليس الأولى أن يَكون النّبي صَلوات الله عَليه وعَلى آله مِن ذريّة يَعقوب بن إسحاق فإن ذلك سَيكون أكثر تأثيراً فِي اليَهود والنّصَارَى ، وَكمَن يَقول : أليس الأولى أن يَكون بدايَة مَبعث النّبي صَلوات الله عَليه وعَلى آله مِن أرض الأنبيَاء أورشَليم والنّاصرة ، فِلسطين والشّام عُموماً ، فإنّ ثَقل الدّين وتنوّع الحَضَارات مِن تِلك الأرَاضِي ، ولهَا تأثير في العَالَمَيْن الغَربي والشرقي ، وكمَن يَقول: أليس الاولى أن يَكون القُرآن الكَريم قَد نزل بِلُغةٍ أعجميّة ، فَالعَجَم كَثرة مُقابل العَرب ، نعم! كُلّ هَذه الخَواطِر الفكريّة لا تتعارَض مَع الأصول الواقعيّة مِن كَون مُحمّد صَلوات الله عَليه وعَلى آله مِن ذريّة إسمَاعيل بن إبرَاهيم ، ومِن مَبعثه مِن مَكّة ، ومِن لُغَة القُرآن العَربيّة ، فإنّه وإن لَم يَكن مَا جَال فِي الخَاطِر الفِكريّ فَإنّ الحُجَج تَقوم بتلك الإرادَة والهَيئة والطّريقة التي أرادَهَا الله سُبحَانَه ، ولا يَستطيع مُكلّف أن يَعترض في عَدم قِيام الحُجّة لأجلِ أنّ النّبي لَم يَكُن مِن ذريّة يَعقوب بن إسحَاق ، أو أنّه لَم يَكن مَبعثُه مِن أرض الأنبياء ، أو أنّ القُرآن لَم يَكُن أعجميّا ، بل الحُجّة قَائمة عَليه صَادِحَةٌ صادعَةٌ ، وذلك لا يُخالف عَليه مُسلمٌ بل عاقِلْ ، نعَم! وَكَذلك خَبر الولاية لأمير المُؤمنين وإعلان إمَامته فَإنّه وإن جَال فِي الخاطر الفكريّ بأنّ التّبليغ سَيكون أكثر انتشاراً لَو كَان يَوم عَرَفة فَإنّ الحُجّة لا زَالت قَائمَة عَلى المُسلمين جَميعاً بذلك البَلاغ فِي غَدير خُمّ ، خُصوصاً وأنّه لا يَزال جمعٌ كَبير مِن الصّحَابَة مِن غير أهل المَدينَة بل مِن مُختلف الأمصَار حَاضرٌ ذلك المَكان ، لأنّ الجُحفَة مَكان اجتمَاع وافتراق الحُجّاج ، فَكان البلاغ في محضر الحُجّاج قَبل تَفرّقهم ، وبه يقُوم نَشر ذَلك الخبَر لأهميّته لمَن لَم يَحضُر ذَلك المقَام ، وقَد قَدّمنَا بأنّ هَذا تَقوم به الحُجّة وَمَتى قامَت الحُجّة فكَفَى ، وَهِي تَمنع ذَلك الخَاطر الفكريّ مِن أن يُمتنَع أو يُعترض عَلى تلك الإرادَة الإلهيّة وذلك الفِعل المُحمّدي يَوم الغدير ، وفِعلاً قَد انتشرَ هَذا الخَبر فِي الأمصَار ، وبَين المُحدّثين والرّواة ، حتّى أصبح نصّاً مَعلوماً مُتواتراً لا يُمكن إنكَاره ، وبذلك تقوم الحُجَج القطعيّة فِي الثّبوت ، عَليه فلا يصح الاعترَاض عَلى إبلاغ الرّسُول صَلوات الله عَليه وعَلى آله بإمامَة أمير المؤمنين عليه السّلام لأنّ الحُجّة قَد قَامَت ، والحُجّة مَتى قامَت فَقد وَجب الاستسلام لله ولِرَسُوله صصَلوات الله عَليه وعَلى آله ، نعم! وَبه تمَ الجَواب عَلى القِسم الأوّل .

________________________________

ثانياً : فيمَا يخصّ القِسم الثّاني ، فإنّ السّائل قد تَوهّمَ أنّ الرّسُول صَلوات الله عَليه وعَلى آله إنّمَا قَام يَوم الغَدير ليردّ ويُبيّنَ القَدْر الذي يخصّ مَا حَصَل فِي اليَمن وهذا لا دَليل عَليه إلاّ الظن والاستنبَاط بل إنّ السّائل قد بين الرّد على هذا السّبب من ذلكَ التّبليغ عندمَا اعترضَ لماذا لم يُخبر النّبي صلوات الله عَليه وعلى آله بذلك الخبَر وأهل اليمَن حاضِرون ، فلو كانَ سبب ذلك البَلاغ المحمّدي هُو ما حصلَ في اليَمن لكان ذلك التّبيين وأهل الَيمن حَاضرون ، فأمّا والتّبليغ باتّفاق المُسلمين كانَ في غير خُمّ فإنّ ذلك بلاغٌ ليسَ لتبيينِ قدْرٍ يخصّ أهل اليمَن فقَط ، بل هُو معنى دلّ عَليه النّص والخَبر من إمامَة أمير المُؤمنين عليه السّلام ، بل إنّ ذلكَ البلاغ كانِ عدل الرّسالة المحمديّة كمَا في آيَة التّبليغ قولُ الله تعالى : ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)) ، نعم! فلا دَليل على أنّ سبب ذلك البَلاغ ابتداءً هُو ما حصَل في اليَمن إلاّ الظنّ أو الاستنبَاط ، ثمّ لو كانَ ذلكَ كذلك فإنّ مَدلول حادثَة اليَمن هُو مَدلول نصّ الغَدير ، فإنّه ليسَ لك يا بُريدَة أو غيرُك بأن يعترضَ على حُكم وفعل وطاعَة عليّ بن أبي طَالب كمَا أنّه لا حُكمَ لكُم أو اعتراضٌ على فِعلي لو كُنتُ معَكم ، فأنا مولاكُم الأولَى بالتصرّف في الأمر لا أمرَ ولا نهيَ لكُم مَعي ، وكذلكَ مَنْ كُنت مولاه فعليّ مَولاه ، لا أمرَ لكُم ولا نهي مَعه ، وهذا بيّنٌ إن شَاء الله ، نعم! ثمّ لنَا أنّ خبرَ إمامَة أمير المُؤمنين عليه السّلام ثابتٌ قولَ يوم الغَدير بآيَة الولايَة ، وحديث المنزلَة وغيرَها من الأخبَار ، وإنّما ذلكَ يومَ الغدير أذانٌ أكبَر في النّاس ليكون تأكيداً وأكثَر انتشاراً في الأمّة ، وبه تقومُ الحجّة القطعيّة ، كما قدّمنا في القسم الأوّل .

وفّقكم الله .

اللهمّ صلّ وسلّم على محمّد وعلى آل محمّد …

_______________________________

المَوضوع الخَامس : [مادّة مكتوبَة] : لماذا أجمع الصّحابة على مبايعة أبي بكر وقد سَمِعوا قول الرّسول صلوات الله عليه على آله يوم الغَدير ؟!.

كان السّؤال :

لماذا أجمع الصّحابة على مبايعة أبي بكر وقد سَمِعوا قول الرّسول صلوات الله عليه على آله يوم الغَدير ؟!.

والجَواب :

أنّ مَسألَة الإجماع من الصّحابة رضوان الله عليهِم على خلافَة أبي بكر دَعوى غيرُ مُسلَّمَة ، وقَبل الخَوض في نقاش هذه المسألَة ، أقدّم بمُقدّمَة أقولُ فيها : أنّ صَحابَة رَسول الله (ص) يَتمايَزون ، ويتفاضَلون ، فمنهُم العُلماء ، ومنهُم مَن هُم دونَهُم ، ومنهُم العَوام ، فأمّا العُلماء الذين لا يُشقّ لهُم غُبار ، فعليٌّ صلوات الله عليه ، ومنهُم مَن هُم دونَهُ في العِلم كابن عبّاس وابن مَسعود ، وسلمان الفارسي ، وأبو أيوبٍ الأنصاري ، والمقداد ، وأبو بكر ، وعُمر ، وغيرهِم ، ومنهُم العَوام الذي يَدخُل فيهم الأعراب ، وأهل الحِرف غير المُختصّين برسول الله (ص) كاختصاص مَن قبلَهُم ، وهذا فلا يُخالِفُ عليه أحد من المُسلمين ، إلاّ أن يُقال أنّ جميع الصّحابَة كانوا عُلماء عامِلينَ مُستنبطِين !! ، وهذا ما لا يُقالُ به ، فإن أنتَ وقفتَ على هذا ، دخلنَا وإياّكَ إلى أصل مسألَة الخِلاف وهِيَ الإجمَاع ، وأبرزنا لكَ أنّ عُلماء وكِبار الصّحابَة سَبَقَاً وعِلمَاً وَفَضلاً وجِهاداً لَم يَكونوا قَائلين بخلافَة أبي بكر ابن أبي قُحافَة ، وعليٌّ (ع) أوّلهُم ، وقد تقدّمَت رواية أمّ المؤمنين عائشَة في أنّه ما صالَحَ أبا بَكر إلاّ بعد ستّة أشهر (بعد موت فاطمة الزّهراء) ، وذلكَ لأنّه كانَ يرى لهُ حقّاً في الإمامة والخلافَة استبدّ بها أبو بَكرٍ دونَه ، ولأنّ حديث الَغدير مَازَال وَقْعُهُ في آذان كَبار صحابة رسول الله (ص) ، فإنّهم حَفظوا لرسول الله (ص) وصيّتهُ في علي (ع) ، فَمَالوا إلى عَلي (ع) ولم يُبَايعُوا حتّى صالحَ أمير المؤمنين (ع) ، ومنهُم جميعُ بني هاشم[156] ، الذي منهُم العباس بن عبدالمطلب ، وحَبر الأمّة عبدالله بن العبّاس ، والفَضل بن العبّاس[157] ، وناهيكَ بِهم مِن رِجَال ، ومِن المُتخلّفين عن بيعة أبي بكر ، الزّبير بن العوام[158] ، وطلحة بن عبيدالله، وخَالد بن سَعِيد بن العَاص الأموي[159] ، والمقداد بن الأسود ، وسَلمَانُ الفَارسي[160] ، وأبو ذَرٍّ الغِفَارِي ، وعمّارُ بن يَاسِر ، والبَراء بن عَازِب[161] ، وأبيّ بن كَعب[162] ، وأبان بن سَعيد بن العاص[163] ، وهؤلاء فكانَ هَواهُم مع أمير المؤمنين (ع) ، وممّن تخلّف أيضاً من كبار الصّحابَة عن بيعة أبي بكر ، سَعد بن عُبادَة ، وغيرهم ، نعم ! فإنْ أنتَ وقفتَ على هذا وتَيقّنتَهُ عرفتَ أنّ أهل الحلّ والعقد من الصحّابَة كَانُوا غائبين عن أسَاس بَيعَة أبي بَكر ، ولكنّ أكثريّة النّاس كَانُوا مَع أبي بكر ، ولكن مَنْ هؤلاء الأكثريّة ؟! هؤلاء الأكثريّة من الصّحابَة ، لا يخَلوا حالُهُم مِن أمرَين اثنيَن ، الأمر الأوّل : أن يكونوا عُلماء . والأمر الثّاني : أن يكونوا من عامّة المُهاجرين والأنصَار . فأمّا العُلماء فَسَوادهُم مَعَ أمير المؤمنين ، ومنهُ فلم يَبقَ إلاّ العَوام من الصّحابَة ، فإن قُلتَ : فَلِمَ اتّبعُوهُم هؤلاء العَوام . قُلنا : ليسَ أبو بكرٍ ولا عُمَر بأصحاب الشأن القَليل في ذلك المُجتمَع الإسلامي ، فقد كانَا مِن وُزراء[164] الرّسول (ص) ، ومِن أصحابهِ القَريبينَ منه ، والعَوامّ فِي ذَلِكَ الزّمَان فَقد كانوا يَحفظوا لهُم منزلَتهُم ، ودخولَهُم ، وخروجهم ، وَوَجَاهَتَهُم عند الرّسول (ص) ، فَمِن هُنا كانَ عوامّ الصحابة يُحسنون الظنّ فيهِم ، ويثقونَ بهِم ، فلمّا بُويِعَ أبا بكر في السّقيفَة ، بايَعوه تِبَاعَاً[165] ، وخَبر الغدير فَلعلّهُم لم يَقفوا على صدرهِ وأطرافِه كما وقفَ عليه سلمانٌ وعمّار وبقيّة أصحاب علي (ع) ، فمِن هاهُنا كاَنت بيعَة هؤلاء الصّحابَة وهُم الكَثيرون لأبي بَكر ، فأمّا رؤوس الصّحابة وكُبرائهُم فلم يُبايعوا وهُم القلّة ، ولا استغراب فأهل العِلم في أغلب المُجتمعات قَليلون مُقارنةً بعامّة النّاس ، وليسَ كلامي هذا قَدحاً في الصّحابَة (أعني عندمَا أقولُ أنّ منهُم العَوام) ، فهي حقيقة ثابِتَة ، فمنهُم الأعراب ، والطّلقاء ، ومَن لم يتمكّن الإيمان من قلوبهِم، ولو يكن دليلُها إلاّ ردّةُ بَعضهِم ، وإقامَة المشَائخ الحُدودَ على بعضهِم[166]. نعم ! وبهذا ظهرَ لَنا ولكَ أخي في الله افتقار دَعوى الإجماع للبُرهان ، وسقوط حجّة من يحتجّ باستحالَة إجماع كُبراء الصّحابة على مُخالفة رسول الله (ص) ، وأنّ هذه الأخيرَة دَعوى عريَضة ، ليسَ عليهَا دَليل ، أكثرُ مَافيها استجلابُ العاطِفَة ، والله المُستعان .

وفّقكم الله :

[156] روى البيهقي ، بإسناده ، قال : ((عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها ، … ، قالت عائشة رضي الله عنها : فَكان لِعلي رضي الله عنه مِنَ الناس وجه حياة فاطمة رضي الله عنها ، فلمّا توفّيت فاطمة رضي الله عنها انصرَف وجوه الناس عنه ، عند ذلك قال معمر قلت للزهري كم مكثت فاطمة بعد النبي (ص) قال ستة أشهر . فقال رجل للزهري : فلم يبايعه علي رضي الله عنه حتى ماتت فاطمة رضي الله عنها . قال : ولا أحَدٌ مِن بني هَاشم رواه البخاري في الصحيح من وجهين عن معمر ، ورواه مسلم عن إسحاق بن راهويه وغيره)) سنن البيهقي الكبرى :6/300 ، مسند أبي عوانة : 4/251 ، مصنف عبدالرزاق:5/472 .
[157] قال اليعقوبي : ((قَامَ الفضل بن العبّاس وَكان لِسَان قُريش ، فقال : يَا مَعشر قُريش إنّه مَا حقّت لكُم الخِلافة بالتّمويه ، ونَحنُ أهلُهَا دونَكُم وصَاحِبنا أولى بهَا منكُم)) . [تاريخ اليعقوبي :2/126] قلت : يعني علي بن أبي طالب (ع) . وقال اليعقوبي: ((وكان المهاجرون والأنصار لا يشكون في علي)) [المصدر السابق] .
[158] روى ابن أبي شيبه ، بإسناده ، قال : ((حدثنا زيد بن أسلم ، عن أبيه أسلم ، أنهُ حِينَ بويع لأبي بَكر بعد رسول الله (ص) كَان علي والزّبير ، يَدخُلان على فَاطمَة بنت رَسول الله (ص) فَيشاورونَها ، ويرتجعون في أمرهِم ، فلمّا بلغَ ذلك عمر بن الخطاب ، خرج حتى دخل على فاطمة ، فقال : يا بنت رسول الله (ص) والله مَا من أحد أحب إلينا من أبيك ، وما مِن أحد أحب إلينا بعد أبيك منك ، وأيم الله ما ذاك بمَانعِي إنِ اجتمعَ هؤلاء النفرعندك إن أمَرتِهم ، أن يُحْرَق عليهم البَيت ، ..إلخ )) مصنّف ابن أبي شيبة:7/432 ، الاستيعاب:3/975، . قُلتُ : وقد كان طلحَة معهُم .
[159] وهُوَ القائل لعليٍّ (ع) : ((هَلمّ أبَايعُك فوالله مَا فِي النّاس أحد أولى بِمَقام محمّد منك)) . تاريخ اليعقوبي:2/126 . قلتُ : وخالدٌ هذا أسلمَ قديماً ، قيل أنّه لم يكُن بينه وبين إسلام أبي بكر مدة طويلة .
[160] جاء في أخبار قزوين ، ما نصّه : ((لمّا كانَ يومُ السّقيفة اجتمَعَت الصّحابة على سَلمَان الفَارسي ، فقالوا يَا أبا عبد الله ، إنّ لكَ سِنك ودِينكَ وعَمَلك وصُحبَتك مِن رسول الله (ص) فقل فِي هذا الأمْر قَولاً يخلدُ عنك ، .. ، ثمّ أنشأ يقول : مَا كنت أحسب أنّ الأمر مُنصرفٌ**** عن هَاشم ثمّ منهم عن أبي الحَسن ^ أليس أوّل مَن صلّى لِقبلَته **** وأعْلم القَوم بالأحْكَام والسّنن ^ مَا فِيهُمُ مِن صنوفِ الفَضل يَجمَعُهَا**** وَليسَ فِي القَوم مَا فِيه مِنَ الحُسْنِ )) [التدوين في أخبار قزوين:1/79] ، ونُسبت هذه الأبيات إلى عُتبة بن أبي لهب بن عبدالمطلب انظر [الاستيعاب:3/1133] ، وانظر [تاريخ اليعقوبي:2/126] .
[161] وكان البراء بن عازب رضوان الله عليه ، هُو أوّل مَن جاء ليُخبر بني هاشم بأمر السّقيفَة . تاريخ اليعقوبي [تاريخ اليعقوبي :2/126] .
[162] جميع الأسماء المَاضِيَة من تاريخ اليعقوبي :2/124 .
[163] قال السّخاوي في التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة : ((وَهُو ممّن كَانَ تَخَلّف عن بَيعَة أبي بَكر لِينظر مَا يَصنعُ بنوا هَاشم ، فَلمّا بَايعُوه بَايَع)) [1/60] ، قُلت : ولم يحصُل هذا إلاّ بعد ستّة أشهُر .
[164] بمعنى قريبين من الرّسول (ص) في الإشارة والاستشارَة ، إضافَة إلى غيرهم من الصّحابة .
[165] وهكذا دائماً : زلّة العَالِم زلّة عالَم .
[166] ومنه إقامة عمر الحد على الصّحابي قدامة بن مظعون الجمحي . [المغني:9/48] . والعجيبُ أنّ قُدامَة بن مظعون كان قد هاجر الهجرتين ، وكان بدرياً ، واستعملهُ عمر على البحرين ، ومع ذلك شرب الخمر مُتأوّلاً ، فأقام عليه عُمر الحد . [تعجيل المنفعة:1/343]. وذُكِر أيضاً أن عمّر أقام حدّا على أعرابي سكر من النّبيذ . [نصب الراية:3/349] ، ومنه جلد أمير المؤمنين (ع) للوليد بن عقبة حد الخمر ثمانين جلدة . [مقدمة الفتح: 1/300] ، ومنه رجم أبي بكر لعبدالله بن الحارث بن معمر الجمحي ، وذلك لوقعه في الزّنا . [الإصابة:4/50] ، ولهذا نماذج كثيرة في عصر رسول الله (ص) ، وفي عصر علي (ع) والمشائخ .

____________________________

المَوضوع السّادس : [مادّة مكتوبَة] : ما عقيدَة أهل البيت (ع) من حَديث الغَدير ؟!.

عقيدة أهل البيت (ع) في مَعنى المُوالاة من حديث الغَدير ، وهُوَ الحجّة عندَ مَن اعتبَر :

1- رَوى الإمام المؤيّد بالله أحمد بن الحسين الهاروني (ع) ، بإسناده ، عن إبرَاهيم بن رجَاء الشّيباني، قال : قِيل لجعفر بن محمّد : مَا أرَادَ رَسُول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بِقولِه لِعَلِيٍّ يَومَ الغَدِير : ((مَنْ كُنْتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاه ، اللّهمُّ وَال مَنْ وَالاه وَعَادِ مَنْ عَادَاه)) ؟ ، قَال : فَاستَوى جَعفَر بن محمّد قَاعِداً ، ثمّ قَال : سُئلَ عنها –والله- رَسُول الله صلى الله عليه وآله وسلم فَقال : (( الله مَولايَ أولى بي مِن نَفسِي ، لا أمرَ لي مَعَه ، وأنَا مَولى المؤمنينَ ، أولَى بِهِم مِنْ أنْفُسِهِم ، لا أمْرَ لَهُم مَعِي ، وَمْن كُنتُ مَولاهُ أولَى بِهِ مِنْ نَفسِه لا أمْرَ لَهُ مَعِي ، فَعَليٌّ مَولاه أولَى بِه مِن نَفْسِه ، لا أمْرَ لَهُ مَعَه ))[140] .

تعليق : وهذا تصريحُ بِمعنى الوِلايَة في خبر الَغدير ، وأنّها إمامةٌ عامّة لعلي بن أبي طالب صلوات الله عليه .

2- روى الحافظ محمد بن سليمان الكوفي ، بإسناده ، قال : جَاءَ رَجُلٌ إلى الحسين بن عَلي فَقَال : حدّثني في عَلي بن أبي طَالب . فَقَال : وَيْحَك! وَمَا عَسَيتَ أنْ أحَدّثَكَ فِي عَليٍّ وَهُوَ أبي ؟! ، قَال : بَلْ تُحَدّثُنِي . قَال : إنّ الله تبارك وتعالى أدّبَ نَبيّه الآدَابَ كلّهَا ، فَلمّا استحْكَم الأدَب ، فوّضَ الأمْرَ إليهِ ، فَقَال : ((مَا آتَاكُم الرّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنهُ فَانتَهُوا)) ، إنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم أدّبَ عَلِيّاً بِتِلكَ الآدَاب ، التي أدّبهُ بِهَا . فَلمَّا اسْتَحْكَمَ الآدَابَ كُلّهَا فَوّضَ الأمْرَ إليه ، فَقَال : (( مَنْ كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاه))[141] .

تعليق : والآدابُ في الخَبر فِهيَ العُلوم وما يتفرّعُ مِنها ، والتَفويضُ الإلهي لرسول الله (ص) فَفِي التّشريع ، والقيام بأمرِ الأمّة ، وأمّا التفويض الإلهي في حقّ أمير المؤمنين (ع) فليسَ إلاّ في القيام بأمر الأمّة ، وردّ ما توهّموه على الشرّع المحمّدي ، فهُو أعلَمُهُم ، وأعلَمهُمُ أولَى بالرّجوع إليه ، واستسقَاء الشّريعة المحمّدية مِنه ، لا كمَا ذهبَ إليه غيرُنا من أنّه التّفويض المُطلَق ، كالرّزق والإحيَاء والإماتَة ، وأمثالِها ، نعم ! والشّاهد من كلام أبي عبدالله الحسين هُو إشارته إلى أنّ خبر الغدير يَعني تولية الإمام علي (ع) إمامَة الأمّة.

3- روى الحافظ محمد بن سليمان الكوفي ، بإسناده ، عن علي بن هَاشم ، عن أبيه، قال : ذُكرَ عندَ زَيدِ بن عَلي ، قَول النّبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((مَنْ كُنتُ مَولاه فَعَلِيٌّ مَولاه)) ، قِيل : مَا أرَادَ بِه ؟ قَال : إنّي سَمِعتُ زيد بن علي يقول : ((نَصَبَهُ صلّى الله عليه وآلِه وسلّم عَلَمَاً ليُعرَفَ بِهِ حِزْبُ اللهِ عِندَ الفُرْقَة))[142] .

تعليق : وهذا ما قد نُسميّة الموالاة الدّينيّة ، وقد تكلّمنا سابقاً أنّ رأي علي (ع) الدّيني في مسألة الإمامَة أنّه الأحقّ بها ، وأنّ خبرَ الغَدير جاءَ مُولّياً له على الخَلق ، وقول الإمام زيد بن علي (ع) بأنّ أمير المؤمنين علَمٌ يُعرَفُ به حِزبُ الله عندَ الفُرقَة ، دليلٌ على أنَّ هذا العَلَم كان الحقّ مَعه عندما افترقَ المُسلمون بعد السّقيفَة ، قِسمٌ مع علي بن أبي طالب (ص) ، وقسمٌ مع أبي بكر بن أبي قُحافَة ، فكانَ قسمُ علي (ع) وحِزبُهُ ، هُم حِزبُ الله تعالى وحِزبُ رَسولِه .

4- روى الحافظ محمد بن سليمان الكوفي ، بإسناده ، عن أبي جَعفَر ، قَال : لمّا أمرَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما أمرَ بِه ، قَال رسول الله : قَومِي حَدِيثي عَهد بالجاهليّة . إذ أتاهُ جبريل فقال : ((يا أيّها الرّسول بلّغ ما أنزلَ إليك من ربّك )) ، فَأخذَ رَسول الله بِيَدِ عَلي فَقال : ((مَن كُنتُ مَولاه فَعَليٌّ مَولاه ، اللهمّ وَال مَنْ وَالاه ، وَعَادِ مَن عَادَاه))[143] .

5- قالَ الإمام زَيد بن عَلي (ع) ، في تَفسير قول الله تعالى : ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)) : ((هَذهِ لِعليٍّ بن أبي طالب –صلوات الله عليه- خَاصّةً . ((وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)) : أيْ يَمنَعُكَ مِنهُم))[144] .

6- روى الحافظ محمد بن سليمان الكوفي ، بإسناده ، عن فُضَيل بن مَرزوق ، قَال : قُلت للحسَن بن الحسَن[145] : قَال رَسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لِعَلي : ((مَنْ كُنتُ مَولاه كُنتَ مَولاه)) ، قَالَ : نَعَم . قُلتُ : مَا يَعْنِي بِذَلِك ؟ قَال : جَعَلَهُ الله عَلمَاً للدّين مَعْصُوماً لا يَضِلّ))[146] .

تعليق : والمَعصومُ ، الذي هُو عَلمٌ للدّين كَان رَأيُه أنّ خبر الغدير جاء في تَوليته ، وأنّهُ كان أولى النّاس بِمقام رَسول الله (ص) ، ولذلِكَ كانَ يحتجّ على النّاس بهذا الخبَر ، روى النّسائي ، بإسناده ، قال : ((حَدّثَنَا عُمَيرَة بن سَعد ، أنّهُ سَمِعَ عَليّاً وَهُوَ يَنْشُدُ فِي الرّحبَة، مَنْ سَمِعَ رَسول الله (ص) يَقًول : ((مَنْ كُنتُ مَولاه فَعَلِيٌّ مَولاه)) ، فَقَام بِضعَة عشرَ فَشَهِدوا))[147] ، أقول : وبه يستدلّ المعصوم ، الذي هُو علمٌ للدّين على أنّ رسول الله (ص) كان يُريدُ بهذا أحقيّته بالإمامة دونَ غيره من أمّة محمد بن عبدالله (ص) .

نعم ! ومنهُ عرفنَا وعرفتَ رأي أهل البيت (ع) في معنى الموالاة في خبر الغدير ، وأنّها تعَني الإمامة في حقّ أمير المؤمنين (ع) ، وتأويلُهم للآيَة وخصوصيّة علي (ع) بِها داخلةٌ ضِمناً في هذا المَعنى ، فإن ما زِلتَ مُتشكّكاً في هذا ، فاذهب إلى صغيرِهِم قبلَ كبيرهِم ، ستجدهُ قطعاً قائلاً بأفضليّة وإمامَة علي (ع) دونَ أبي بكر وعمر، فَسلهُم ما الدّليل ؟! وليسَ دليلٌ إلاّ نصّ الله والرّسول (ص) ، وتفضيلُ الله والرّسول (ص) ، وهذا منهُم ترجمةٌ لِفهمِهِم نصّ الغدير على أنّه يَعني الإمَامَة ، بإزاء أمثالِهِ مِن الأحَاديث كَخبَر المنزلة ، ونحنُ هُنا فساردونَ بعضاً من أقوالهِم في هذه المسألَة :

7- روى الشريف الحسني[148] بسنده ، أنّ أحمد بن عيسى بن زيد بن علي (ع) (158-240هـ) قال : ((أوصَى رَسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أولَى النّاس به وأفْضَلُهم عِندَ الله وعِنده ، وأعلَم النّاس مِن بَعدِه ، عَلي بن أبي طالب-صلى الله عليه-)) . وقال الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي (ع) (ت247هـ): (( الإمَامُ المفتَرَض الطّاعَة بَعد رَسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عَلي بن أبي طَالب -صلى الله عليه-)) [149] .

8- قال الإمام زيد بن علي (ع) ، مُثبتاً أحقيّة أمير المؤمنين بالإمامة بعد رسول الله (ص) : ((وقد بَيَّنَ اللّهُ تَبَارَكَ وَتعَالَى الفَضْلَ فِي كِتَابِه ، فأفْضَلُهُم عِندَ رَسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسـلّم مَنْ فضَّلَه اللّه فِي كِتَابِه ، وَهُوَ وَصِيّه؛ لأنَّ رَسولَ اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لَمْ يَكُنْ لِيَخْتَارَ غَير الذي اختَارَهُ اللّه، فَهَلُمّوا فَلْنَنْظُرْ فِي كِتَابِ اللّه ، مَنْ أهْلُ صَفْوَتِه، وَأهْل خِيرَتِه ؟! ، … ، فَكَانَ عَلّي صلّى اللّه عليه أحَقُّ النّاس بالله وَبِرَسُولِه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وَكَانَ إمَامَهُم بَعْدَ نَبيِّهم)) [150].

9- قال الإمام زيد بن علي (ع) ، مُتكلّماً على خَبَرِ المَنزلة : ((عَليٌّ منّي بمنزلَة هارونَ مِن مُوسى إلاّ انّه لا نبيّ بَعدي)) ، فقال (ع) : ((قَدْ شَبّهَهُ [الرّسول (ص)] بِهَارُون فِي مَنزلته، فَلا بُدّ مِنْ مَنْزِلَةٍ مَعْلُومَةٍ لَنَا دُونَ مَنْزِلَةٍ مَجْهُولَة، وَلَيسَ لِهَارون مَنَازِل مَعلومَة إلا ثّلاث: مَنْزِلَةُ الأخُوّةِ، وَمَنْزِلَةُ الشّركَة ـ أي فِي النّبوّة-، وَمَنْزِلَةُ الخِلافَة، وَالعَقْل قَد اسْتَثْنَى الأخُوّةَ بِالنّسَب، وَالنّبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ قَد اسْتَثنَى النّبوّة ، فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ الإمَامَة)) [151] .

اللهمّ صلّ وسلّم على محمّد وعلى آل محمّد …

10- روى الإمام المؤيّد بالله أحمد بن الحسين الهاروني (ع) ، بسنده ، عن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) ، أنّه قال : ((قَالَ رَسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يوم غَدير خم : أليسَ الله يقول : ((النّبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمّهاتهم )) ، ((وأولوا الأرحَام بعضهم أولى ببعض )) ، قالوا : بلى يا رَسول الله ، فَأخَذَ بِيد علي (ع) ، فَرَفعَهَا حتى رُؤي بَياض إبطيهمَا . فَقَال : مَنْ كُنتُ مَولاه فَعَليٌّ مَولاه ، اللهّم والِ مَن وَالاه ، وعَادِ مَن عَادَاه ، وانصُر مَن نَصَرَه . فَأتَاه النّاس يهنّؤنه ، فقالوا : هَنئياً لك يا بن أبي طالب أمسيتَ مولى كلّ مؤمنٍ ومؤمنَة)) [152] .

11- روى الإمام النّاطق بالحق يحيى بن الحسين (ع) ، بسنده ، عن زَيد بن علي، عن أبيه، عن آبائه ، عن علي(ع) ، قَال: ((كَانَ لِي عَشْرٌ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسَلّم، مَا أُحِبُّ أنّ لِي بِإحْدَاهُنَّ مَا طَلَعَتْ عَليهِ الشّمْس، قَالَ لِي:((يَا عَلِي ، أنْتَ أخِي فِي الدّنيَا والآخِرَة، وَأقْرَبُ الخَلائِقِ مِنّي فِي المَوقِفِ يَوم القِيامَة، مَنْزِلِي يُواجِهُ مَنْزِلَكَ فِي الجَنّة كَمَا يَتَواجَهُ مَنْزِلُ الأخَوَينِ فِي الله، وَأنْتَ الوَليّ، وَالوَزِيرُ، وَالوَصِيّ، وَالخَلِيفَةُ فِي الأهْلِ والمَالِ وفِي المُسْلِمِين فِي كُلّ غَيبَة، وأنْتَ صَاحِبُ لِوَائِي فِي الدّنيَا وَالآخِرَة، وَلِيُّكَ وِلِيّي ، وَوَلِيّي وَلِيُّ الله، وَعَدُوُّكَ عَدُوّي ، وَعَدُوِّي عَدُوّ الله تَعَالى)) [153] .

12- روى الإمام زيد بن علي (ع) ، عَن أبيه، عَن جَده، عَن عَلي (ع) ، قَال: ((قَالَ لِي رَسُولُ الله صلّى الله عَليهِ وآلِه وسلّم: ((أَنْتَ أخِي ، وَوَزِيرِي ، وَخَيرُ مَنْ أخلفه بَعَدِي، بِحُبِّكَ يُعرَفُ المؤمنون، وَبِبُغْضِكَ يُعرَفُ المنَافِقُون، مَنْ أحَبَّكَ مِنْ أمّتِي فَقَد بَرِيء مِنَ النّفَاق، وَمَنْ أبْغَضَكَ لَقِي الله عَزّ وَجَلّ مُنَافِقاً)) [154] .

13- قال الشريف الحسني : قال الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي (ع) : (( أجمَعَ عُلمَاء آل رَسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّ عَلي بن أبي طالب كَانَ أفْضَلَ النّاس بَعدَ رَسولِ الله، وأعلَمَهُم وأولاهُم بِمَقَامِه، ثمّ مِن بَعدِ أميرِ المؤمنين الحَسَن والحُسين ، أولَى النّاس بِمَقَامِ أمِيرِ المُؤمنين، ثمّ مِن بَعدِ ذَلكَ عُلمَاء آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأتقِيَائهُم، وأبرَارهم أئمة المسلمين في حلالِهِم وحَرامهم وسُنَنِ نبيّهِم، فَمَن أمَرَ مِنهُم بالمَعروف ونَهَى عَن المُنكَر، وجَبَت عَلى المُسلمينَ مُعاوَنَتُه ونُصرَتُه، وأنّ القَائِمَ مِنهُم بالمَعروفِ والجِهَاد أفضَلُ عِندَهُم مِن القَاعِد، وكُلُّ مُصيبٍ قُدوَة ))[155].

نعم ! فهَذا إجماعُ أهل بيت رسول الله (ص) على أنّ أمير المؤمنين (ع) أفضلُ الخلق ، وأحقّهم بمقام رسول الله (ص) ، وهذا فيتُرجمُ رأيَهُم في حديث الغدير.

وفّقكم الله .

______________________________________________________________________________________________

[140] أمالي الإمام المؤيد بالله (الصغرى) : الحديث الثامن عشر : 102 .
[141] مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) : 2/428 .
[142] مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) : 2/395 .
[143] مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) : 2/382 .
[144] تفسير غريب القرآن ، للإمام زيد بن علي (ع) : 129 .
[145] يَظهر لي أنّه الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي (ع) ، والله أعلم .
[146] مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) : 2/395 .
[147] سنن النسائي الكبرى :5/131 ، الأحاديث المختارة : 2/105 ، المعجم الأوسط : 7/70 ، مسند أحمد بن حنبل : 1/84 ، مجمع الزوائد :9/104 ، كنز العمال :13/67 ، تاريخ دمشق : 42/205 ، وغيرها .
[148] تقدمت ترجمته من سير النبلاء .
[149] كتاب الزيادات من جامع علوم آل محمد للشريف أبي عبدالله محمد بن علي العلوي (ع) .
[150] مجموع كتب ورسائل الإمام زيد بن علي (ع) : كتاب تثبيت الوصيّة : 197-207
[151] مجموع كتب ورسائل الإمام زيد بن علي (ع) : من مقالات وكلام الإمام زيد : 379
[152] أمالي المؤيّد بالله (الصّغرى) : الحديث الحادي عشر:90 .
[153] تيسير المطالب في أمالي أبي طالب : 108.
[154] مسند الإمام زيد بن علي (ع) : 405 .
[155] كتاب الزيادات من جامع علوم آل محمد للشريف أبي عبدالله محمد بن علي العلوي (ع) .

أبو خَالد الواسطيّ عَمرو بن خَالد ضيَاء العدالَة تُزِهقُ ظلامَ الجَرحْ

 

 

 

* أبو خَالد الواسطيّ عَمرو بن خَالد ضيَاء العدالَة تُزِهقُ ظلامَ الجَرحْ !.

* أثابَ الله مَن شاركَ هذا المنشور في الخَير .

* أبو خَالد الواسطيّ صاحبُ الأئمّة ، رفيقُ الإمام في رحلتِه ، راويةُ مُسندِه مُسنَد الإمام الأعظَم زيد بن علي (ع) ، مادّة بقلَم السيّد العلاّمة/ عبدلله حمود العزّي أسعدَ الله به ، انتزعناها من مقدّمة تحقيقِه لمسند الإمام زيد بن علي (ع) ، لمّا كَانت مادّةً علميّة مهمّة تُلقي بضوئِها على ظلامِ جَرح هذا الرّجل العَدْل أبي خالد الواسطي رحمَه الله ، فيكونُ الباحِثُ أكثر منهجيّة بعيداً عن تعصّبِ الجرح غير السّوي ولا الصّحيح . [المادّة بروابط تحميل في الأسفل] .

* قال ابن حجَر عن الحافظ أبي سعيدٍ النسوي أحمد بن محمد بن رميح : ((وَإنّما ضَعَّفَهُ مَنْ ضَعَّفَه لأنّه كَان زَيديُّ المذهَب يَتظاهَر بِه)) [لسان الميزان:1/600] .

لتصفّح البحث بصيغَة (الفِلاش) ، ويُمكن التّحميل مِنه :

http://en.calameo.com/read/002038343e64ff668e1dc

لتحميل البَحث (ميديا فير) :

http://cutt.us/d9PPa

* رابط تحميل كتاب (الرّوض النّضير شرح مَجمُوع الفقه الكبير) ، شرحُ مُسند الإمام زيد بن عَلي (ع) .

http://zaidiah.com/aticles/2130

#الكاظم_الزيدي

اللهمّ صلّ وسلّم على محمّد وعلى آل محمّد …